الجصاص
69
أحكام القرآن
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك " فقال : أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها ، ونبذها . فهذه الأخبار موافقة لظاهر الكتاب ، فهو أولى مما يخالفه من حديث حبيب بن مسلمة مع احتمال حديثه للتأويل الذي وصفناه ، وجمعنا يمنع أن يكون في الأربعة الأخماس حق لغير الغانمين ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيها أنه لا حق له فيها . وروى محمد بن سيرين : أن أنس بن مالك كان مع عبيد الله بن أبي بكرة في غزاة فأصابوا سبيا ، فأراد عبيد الله أن يعطي أنسا من السبي قبل أن يقسم ، فقال أنس : لا ، ولكن أقسم ثم أعطني من الخمس ! فقال عبيد الله : لا ، إلا من جميع الغنائم ! فأبى أنس أن يقبل وأبى عبيد الله أن يعطيه من الخمس . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الله : حدثنا حجاج : حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المسيب أنه قال : " لا نفل بعد النبي صلى الله عليه وسلم " . قال الشيخ أيده الله : يجوز أن يريد به من جملة الغنيمة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت له الأنفال ثم نسخ بآية القسمة . وهذا مما يحتج به لصحة مذهبنا لأن ظاهره يقتضي أن لا يكون لأحد نفل بعد النبي صلى الله عليه وسلم في عموم الأحوال ، إلا أنه قد قامت الدلالة في أن الإمام إذا قال من قتل قتيلا فله سلبه أنه يصير ذلك له بالاتفاق ، فخصصناه وبقي الباقي على مقتضاه في أنه إذا لم يقل ذلك الإمام فلا شيء له ، وقد روي عن سعيد بن المسيب قال : كان الناس يعطون النفل من الخمس . فإن قيل : قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين صناديد العرب عطايا نحو الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر وأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية ، ومعلوم أنه لم يعطهم ذلك من سهمه من الغنيمة وسهمه من الخمس إذ لم يكن يتسع لهذه العطايا ، لأنه أعطى كل واحد من هؤلاء وغيرهم مائة من الإبل ، ولم يكن ليعطيهم من بقية سهام الخمس سوى سهمه لأنها للفقراء ولم يكونوا هؤلاء فقراء ، فثبت أنه أعطاهم من جملة الغنيمة ، ولما لم يستأذنهم فيه ، دل على أنه أعطاهم على وجه النفل وأنه قد كان له أن ينفل . قيل له : إن هؤلاء القوم كانوا من المؤلفة قلوبهم ، وقد جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهما من الصدقات ، وسبيل الخمس سبيل الصدقة لأنه مصروف إلى الفقراء كالصدقات المصروفة إليهم ، فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم من جملة الخمس كما يعطيهم من الصدقات . مطلب : في سلب القتيل وقد اختلف في سلب القتيل ، فقال أصحابنا ومالك والثوري : " السلب من غنيمة الجيش إلا أن يكون الأمير قال من قتل قتيلا فله سلبه " . وقال الأوزاعي والليث